عِبَرٌ وَتَأَمُّلَاتٌ … فِيْ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَاتِ ، وَالْفِتَنِ النَّازِلَاتِ الَّتِيْ تُمْتَحَنُ بِهَا أُمَّةُ الْإِسْلَامِ فِيْ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ .
تَعْلِيْقٌ عَلَى أَحْدَاثٍ مُؤْلِمَةٍ ، وَأُخْرَى مُفْرِحَةٍ ، فِيْهَا وَبِهَا : نُبْشِّرُ ، وَنُحَذِّرُ ، وَنُثَبِّتُ ، وَنُصَبِّرُ …
الحلقة (51)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ ، مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَمِيْنِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِيْنَ … أَمَّا بَعْدُ :
رَسَائِلُ مُعَدَّدَةٌ ، وَإِلَى دُعَاةِ التَّوْحِيْدِ وَالسُّنَّةِ مُوَجَّهَةٌ .
أُوَجِّهُهَا إِلَى إِخْوَانِي الْغُرَبَاءِ ؛ إِلَى مَنْ هُمْ إِلَى التَّوْحِيْدِ وَالسُّنَّةِ دُعَاةٌ ، فِيْ زَمَنٍ طَغَى فِيْهِ أَهْلُ الضَّلَالِ ، وَالْمُبْتَدِعَةُ الْفُسَّاقُ ، وَتَنَفَّذَ فِيْهِ الْمَلَاحِدَةُ وَأَرْبَابُ الْاِنْحِلَالِ ، الَّذِيْنَ سَامُوْا أَهْلَ الْإِيْمَانِ صُنُوْفًا مِنَ الْأَذَى ، وَأَنْوَاعًا مِنَ الْاِفْتِرَاءَاتِ وَالْاِعْتِدَاءَاتِ ،
أُوَجِّهُهَا إِلَيْكُمْ -إِخْوَانِي دُعَاةِ التَّوْحِيْدِ وَالسُّنَّةِ- تَسْلِيَةً لِمَا أَصَابَكُمْ وَمُؤَازَرَةً ، وَمُعَاضَدَةً لَكُمْ وَمُنَاصَرَةً ، وَهُوَ مِنَّا جُهْدُ الْمُقِلِّ ، وَحَقُّكُمْ -كِفَاءَ مَا قَدَّمْتُمْ- أَكْثَرُ وَأَجْزَلُ ، يُوَافِيْكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ ،
إِخْوَانِي دُعَاةَ التَّوْحِيْدِ وَالسُّنَّةِ !
– اِصْبِرُوْا عَلَى مَا يُصِيْبُكُمْ مِنْ أَذًى ؛ فَـ”لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ”[1]، {اِصْبِرُوْا وَصَابِرُوْا}[آل عمران:200] ، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا}[آل عمران:139] ؛ “وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا ، وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ”[2]، وَمِنْ أَعْظَمِ الصَّبْرِ صَبْرُكُم عَلَى مَا يُصِيْبُكُمْ مِنْ : ظُلْمِ النَّاسِ وَبَغْيِهِمْ ، وَتَسَلُّطِهِمْ وَجَوْرِهِمْ ، وَهَذِهِ حَالُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَالْمُخْلِصِيْن الْمُوْقِنِيْنَ مِنْ الْأَتْبَاعِ ؛ يَصْبِرُوْنَ عَلَى مَا يُصِيْبُهُمْ مِنْ شَدَائِدَ ، ثُمَّ يَكُوْنُ لَهُمْ -إِنْ شَاءَ اللهُ- التَّمْكِيْنُ فِيْ الْأَرْضِ ، وَالْإِمَامَةُ عَلَى الْخَلْقِ ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة:24] ،
– اِسْتَمِرُّوْا فِيْ دَعْوَتِكُمْ إِلَى التَّوْحِيْدِ ، وَجِهَادِكُمْ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ ، مِنْ مُنَافِقِيْنَ مُتَسَتِّرْيْنَ ، وَمُبْتَدِعَةٍ ضَالِّيْنَ ، وَلِيْبَرَالِيِّيْنَ مُنَاوِئِيْنَ ، قَالَ اللهُ الْجَلِيْلُ : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين}[العنكبوت:69] ؛ فَشَرَفٌ لَكُمْ وَأَيُّ شَرَفٍ مَا تَقُوْمُوْنَ بِهِ ، فَحَذَارِ حَذَارِ أَنْ يَفُتَّ فِيْ عَضُدِكُمْ تَخْذِيْلُ الْمُخَذِّلِيْنَ ، أَوْ إِرْجَافُ الْمُرْجِفِيْنَ ، أَوْ شَكَاوَى الْكَائِدِيْنَ ، فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُكُمْ عَلَى مَنْ عَادَاكُمْ ، وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ .
– فِيْ نِضَالِكُمْ لِإِقَامَةِ الدِّيْنِ ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ {خُذُوْا حِذْرَكُمْ}[النساء:71] ، وَانْظُرُوْا مَنْ هُمْ حَوْلَكُمْ ، وَاسْتَثْبِتُوْا مِمَّا تَكْتُبُوْنَهُ ، أَوْ تَقُوْلُوْنَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِيْهِ الدُّخَلَاءُ ، أَوْ يَنَالَهُ تَحْرِيْفُ الْمُحَرِّفِيْنَ الْغُلَاةِ .
– فِيْ التَّبْلِيْغِ وَالدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ -خَاصَّةً فِيْ هَذِهِ الْأَزْمَانِ- نَحْتَاجُ إِلَى كَثِيْرٍ مِنَ الرِّفْقِ ، وَالْأَنَاةِ ، فَحَالُ النَّاسِ لَيْسَ كَمَنْ سَبَقَ ؛ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ أَهْلُ نِفَاقٍ ، وَهَوَى ، وَبُعْدٌ عَنِ الْحَقِّ ، وَالْهُدَى ؛ فَإِذَا سَمِعُوْا مِنَّا مَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُوْلُهُمْ سَارَعُوْا إِلَى إِنْكَارِهِ ، وَعَيْبِهِ ، مَعَ إِبْطَالِهِ ، اِصَدَعُوْا بِالْحَقِّ ، لكن بِتُؤَدَةٍ وَرِفْقٍ ، فـَ”إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ”[3].
حَفِظَكُمُ اللهُ وَرَعَاكُمْ ، وَأَعَزَّ شَأْنَكُمْ وَأَعْلَاكُمْ ، وَفِيْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ بَوَّأَكُمْ وَآوَاكُمْ .
وَصَلِّ اللَّهُمَ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ذِيْ الْمَكَارِمِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَمَاجِدِ .