القائمة إغلاق

عِبَرٌ وَتَأَمُّلَاتٌ … فِيْ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَاتِ ، وَالْفِتَنِ النَّازِلَاتِ الَّتِيْ تُمْتَحَنُ بِهَا أُمَّةُ الْإِسْلَامِ فِيْ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ .

تَعْلِيْقٌ عَلَى أَحْدَاثٍ مُؤْلِمَةٍ ، وَأُخْرَى مُفْرِحَةٍ ، فِيْهَا وَبِهَا : نُبْشِّرُ ، وَنُحَذِّرُ ، وَنُثَبِّتُ ، وَنُصَبِّرُ …

الحلقة (60)

-الجزء الثاني-

نسخة رقمية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ ، مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَمِيْنِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِيْنَ … أَمَّا بَعْدُ :

سُنَنُ اللهِ الَّتِيْ لَا تَتَبَدَّلُ ، وَلَا تَتَحَوَّلُ

(1)

سُنَّةُ الْإِمْهَالِ وَالْإِمْلَاءِ .

 فَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنَّهُ يُمْهِلُهُمْ وَيُمْلِي لَهُمْ ، وَلَا يُبَادِرُهُمْ بِالْأَخْذِ وَالْعَذَابِ عِنْدَ اِرْتِكَابِهِمْ الْخَطَايَا وَالسِّيِّئَاتِ ؛ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ ، وَيَؤُوْبُوْنَ ، فَيَرْحَمَهُمْ -إِنْ تَابُوْا- بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوْبِ ، فَهُوَ رَبِّي -جَلَّ وَعَلَا ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- حَلِيْمٌ بِالْعِبَادِ ، “وَسِعَ حِلْمُهُ أَهْلَ الْكُفْرِ ، وَالْفُسُوْقِ ، وَالْعِصْيَانِ ، وَمَنَعَ عُقُوْبَتَهُ أَنْ تَحِلَّ بِأَهْلِ الظُّلْمِ عَاجِلًا ، فُهُوَ يُمْهِلُهُمْ لِيَتُوْبُوْا”[1]، فَيَتُوْبَ عَلَيْهِمْ ، وَيَكُوْنُوْا مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنْيِنَ ،

قَالَ تَعَالَى : {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُون * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُون} [الزمر:53-55] ،

فَإِنْ أَمْهَلَهُمْ مَعَ طُغْيَانِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ فَإِنَّمَا يُمْهِلُهُمْ لِيَزْدَادُوْا إِثْمًا ، وَفُجُوْرًا ، وَكُفْرًا ؛ فَيَزِيْدَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ مَزِيْدًا كَثِيْرًا ، وَيَأَخْذَهُمْ أَخْذًا شَدِيْدًا ، فـَ{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد}[فصلت:46] ،

قَالَ تَعَالَى : {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}[آل عمران:178] ،

وَعَنْ أَبِي مُوْسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ ؛ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ” ، ثُمَّ قَرَأَ : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود:102] ،

وَاللهُ قَدْ قَدَّرَ وَقْتًا مَحْدُوْدًا تَنْتَهِي عِنْدَهُ هَذِهِ الْمُهْلَةُ الَّتِي سَنَّهَا لِلظَّالِمِيْنَ ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكُوْا أَنْفُسَهُمْ بَادَرَهُمْ بِالْعَذَابِ عَاجِلًا ، أَوْ أَرْجَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْمَعَادِ ، وَاللهُ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ[2]، فَـ{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد}[فصلت:46] ،

قَالَ تَعَالَى : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}[فاطر:45] ، 

وَقَالَ تَعَالَى : {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}[الحج: 48].
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ}[إبراهيم:42] ،

 وَقَالَ تَعَالَى : { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا}[الكهف:58] ،

فَيَا أَيُّهَا الْمُوَحِّدُ : أَحْسِنْ بِرَبِّكَ الظَّنَّ ، اِصْبِرْ ، وَصَابِرْ ، وَجَاهِدِ الْمُنَافِقِيْنَ وَالظَّالِمِيْنَ عَلَى قَدْرِ اِسْتِطَاعَتِكَ ، فَاللهُ مُؤَيِّدُكَ ، وَنَاصِرُكَ ، وُمُهْلِكُ أَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِكَ .

وَيَا أَيُّهَا الْمُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ : بَادِرْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكَ الْعَذَابَ ، فَتَكُوْنَ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ الْهَالِكِيْنَ النَّادِمِيْنَ ، نَسْأَلُ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ؛ لَنَا وَلِجَمِيْعِ الْمُسْلِمِيْنَ .

نُكْمِلُ -إِنْ شَاءَ اللهُفِيْ الْحَلْقَةِ التَّالِيَةِ  



([1]) الحق الواضح المبين ؛ للشيخ عبد الرحمن السعدي ؛ ص : (55-56) .

([2]) من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أصحاب الكبائر -من المسلمين- في الآخرة داخلون تحت المشيئة إن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم  .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: