القائمة إغلاق

“بُيُوْتُ الْمُؤْمِنِيْنَ ؛ وَصْفُهَا الْمُبِيْنُ ، وَحِفْظُهَا الْأَمِيْنُ” .

حَلَقَاتٌ عِلْمِيَّةٌ تَرْبَوِيَّةٌ ، أَصِفُ فِيْهَا الْبُيُوْتَ الْمُؤْمِنَةَ ؛ عَقِيْدَتَهَا وَأَخْلَاقَهَا ، ثم أُذَكِّرُ بَعْدَهَا بِالتَّرَاتِيْبِ السَّلَفِيَّةِ الضَّرُوْرِيَّةِ فِيْ طُرُقِ وَأَسَالِيْبِ ِحِفْظِهَا مِنْ عُدْوَانِ الْفِرَقِ الْمُعْتَدِيَةِ .

حَلَقَاتٌ مُهِمَّةٌ ، وَبِخَاصَّةٍ فِيْ أَزِمِنَةِ الْغُرْبَةِ ، مُوَجَّهَةٌ لِجَمِيْعِ أَفْرَادِ الْأُسَرِ الْمُسْلِمَةِ ، صَانَهَا اللهُ مِنْ خُطَطِ وَتَدَابِيْرِ ذَوِيْ الشُّرُوْرِ الْكَائِدَةِ .

الحلقة (الثامنة (تتمة)) (1) :

-(بُيُوْتُ الْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ الْإِسْلَامِ)-

“وَصْفُ عَقِيْدَةِ أَهْلِهَا الْمُوَحِّدِيْنَ ، وَأَخْلَاقِهِمْ” .

نسخة رقمية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحابته والتابعين … أما بعد :

(مقدمة)

سنتابع في هذه الحلقة -إن شاء الله- ما قد بدأناه في الحلقة الماضية من ذكر عقيدة أصحاب البيوت المؤمنة ، وفي هذه الحلقة سوف نورد -لما ذكرناه في الحلقة السابقة من نواقض مخرجة من ملة الإسلام- بعض النصوص الشرعية ، ونقولًا وأقوالاً عن علماء العقيدة السلفية ، فنقول وبالله التوفيق :

(3)

لـ”لا إله إلا الله” نواقض عديدة ، تخرج المرء من الإسلام ، ويكون كافرًا مرتدًا ، له حكم الكافرين ، هذه النواقض نحذرها أشد الحذر ، ونحذر منها ؛ سواء كانت قولية ، أو فعلية ، أو اعتقادية ، وهي أنواع ، سنذكر منها أخطرها ،

مِنْهَا : الشرك بالله الشرك الأكبر ؛ وذلك بأن يجعل معه -سبحانه وتعالى- شركاء وأندادًا يعبدون معه ، من ملائكة ، أو جن ، أو أنبياء ، أو أولياء ، أو صالحين ، أو غيرهم ، أو بأن يجعلهم له شفعاء ، أو وسطاء ؛ يدعوهم ، ويسألهم الشفاعة ، أو يتوكل عليهم من دون الله .

فكل مشرك بالله الشرك الأكبر كافر ؛ سواء كان من الكفار الأصليين ، من وثنيين ، أو بوذيين ، أو يهود ، أو نصارى ، أو كان ممن وقع في هذه النواقض فانتقل عن ملة الإسلام ؛ فصار في عداد الكفار المشركين ؛ كالرافضة ، والنصيريين ، والصوفية المخرفين ؛ فهولاء كفار كلهم ، ولا يحل أن يسموا مسلمين ؛ لما وقعوا فيه من نواقض .

قَالَ تَعَالَى : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار}[المائدة:72] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار}[الزمر:3] ،

وَقَالَ الرَّسُوْلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اَللَّهِ نِدًّا دَخَلَ اَلنَّارَ”[1]،

وَقَالَ الرَّسُوْلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : : “مَنْ لَقِيَ اَللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ اَلْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ اَلنَّارَ”[2].

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ : “اعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به ، قال الله تعالى : {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48] ، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم {سُئِلَ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ}[3] ، والند : المثل ، قال تعالى : {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:22] ، وقال تعالى : {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}[الزمر:3] ، فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة ، فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته : لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب ، وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد ، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية ، فكيف يصلح أن يكون إلها؟”[4].

وَمِنْهَا : من اعتقد أن الحكم بغير شريعة الإسلام ؛ كالحكم بالدساتير ، أو القوانين ، أو بالأعراف القبلية المخالفة لشريعة الإسلام أفضل من الحكم بالإسلام ؛ أو مساوية له ، أو أن العمل بها جائز لا حرج فيه ، ويدخل فيه : من نحَّى الحكم بالشريعة بأكملها ، واستبدلها بغيرها ؛ رغبة عنها ؛ لأنها -على حد زعمه- في زمان غير صالح للحكم بها ؛ فمن اعتقد ذلك خرج من دين الإسلام ، ولا حظ له فيه من قريب ، ولا من بعيد ،

قَالَ تَعَالَى : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}[المائدة:49] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة:50] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا}[النساء: 60] ،

وَقَالَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ : “الطاغوت : كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه ؛ من معبودٍ أو متبوعٍ ، أو مُطاع ، فطاغوت كلِّ قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتَّبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنَّه طاعة لله ، فهذه طواغيتُ العالَم إذا تأمَّلتَها ، وتأمَّلتَ أحوال الناس معها رأيتَ أكثرهم انصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ، وعن التحاكُم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكُم إلى الطاغوت ، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته”[5]،

وَقَالَ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ رَحِمَهُ اللهُ : إنَّ من الكفر الأكبر المستبين تنزيلَ القانون اللَّعين منزلةَ ما نزل به الرُّوحُ الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ليكون من المنذِرين ، بلسانٍ عربيٍّ مبين ، في الحكم بين العالَمين ، والردَّ إليه عند تنازع المتنازعين ؛ مناقضة ، ومعاندة لقول الله عز وجل:  {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[النساء:59]”[6]،

وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ : “أمَّا الذي قيل فيه : «كفر دون كفر» إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاده أنَّه عاصٍ ، وأنَّ حكم الله هو الحق ؛ فهذا الذي يصدُر منه المرَّة ونحوها ، أمَّا الذي جعل قوانين بترتيبٍ ، وتخضيعٍ ، فهو كُفر ، وإن قالوا : أخطأنا ، وحُكمُ الشرع أعدل”[7][8].  

وَسُئِلَ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ عَبْدُ الْعَزِيْزِ بْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ : ما رأيكم في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم والسنة المطهرة بين أظهرهم ؟ فأجاب : “رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله ، ويرون شريعة الله غير كافية ، ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم حيث يقول سبحانه وتعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65] ، ويقول سبحانه وتعالى : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[المائدة:45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[المائدة:47] ، إذا فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله ، ويرون أن ذلك جائز لهم ، أو أن ذلك أولى من التحاكم إلى شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام ، ويكونون بذلك كفارًا ، ظالمين ، فاسقين ، كما جاء في الآيات السابقة وغيرها ، وقوله عز وجل : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، والله الموفق”[9]،

وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ” الحكام بغير ما أنزل الله أقسام ، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم ، وأعمالهم ، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين ، وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ، ويرى أن ذلك جائز ، ولو قال : إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله ، أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعًا للهوى ، أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه ، أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاص لله بذلك ، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ، ويعتبر قد أتى كفرًا أصغر ، وظلما أصغر ، وفسقًا أصغر ؛ كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن طاوس ، وجماعة من السلف الصالح ، وهو المعروف عند أهل العلم”[10].

وَمِنْهَا : الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ، ولا يعمل به ، ويدخل فيه : التارك لأعمال الجوارح كلها ؛ مكتفيًا بعمل القلب ، ونطق اللسان ، ويدخل في ذلك : ترك الصلاة ؛ فمن تركها فقد كفر .

قَالَ تَعَالَى : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}[طه:124-126] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون}[السجدة:22] ،

قَالَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ : “كل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلابد أنه يقول يوم القيامة {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}[الزخرف: 38] ، فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى ، كما قال تعالى { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}[الزخرف: 38]؟ ، قيل لا عذر لهذا وأمثاله من أهل الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو ظن أنه مهتد ، فإنه مفرِّط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى ، فإذا ضل فإنما أُتي من تفريطه ، وإعراضه ، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها ، فذاك له حكم آخر ، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول ، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه”[11]،

قَالَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ : “وأما كفر الإعراض : فأن يعرض بسمعه ، وقلبه عن الرسول ، لا يصدقه ولا يكذبه ، ولا يواليه ولا يعاديه ، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة”[12].

ويدخل فيه : التارك لأعمال الجوارح كلها ؛ مكتفيًا بعمل القلب ، ونطق اللسان ،

قَالَ تَعَالَى : {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}[النور: 47] ،

وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوْيَةَ رَحِمَهُ اللهُ : “غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوماً يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات ، وصوم رمضان ، والزكاة ، والحج ، وعامة الفرائض من غير جحود لها إنا لا نكفره ، يرجأ أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر ، فهؤلاء الذين لا شك فيهم ، يعني : في أنهم مرجئة”[13].  

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ “من الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ، ولا يصوم من رمضان ، ولا يؤدي الزكاة ، ولا يحج إلى بيته ، فهذا ممتنع ، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب ، وزندقة ، لا مع إيمان صحيح ، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار ، كقوله : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}[القلم:42-43] ، ومعنى : «سالمون» : ممتنعون عن الصلاة مع قدرتهم على أدائها”[14] ،

 ويدخل في ذلك : ترك الصلاة ؛ فمن تركها فقد كفر ،

قَالَ تَعَالَى : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}[مريم:59] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ}[التوبة:11]،

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ”[15].

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ”[16]،

وقد نقل بعض فقهاء المذاهب قولاً بعدم كفر تارك الصلاة تهاونًا ، والقول الصواب أن تارك الصلاة كافر الكفر الأكبر ولو تركها تكاسلاً ؛ “وإن كان القائلون به أقل من القائلين بأنه كفر أصغر ، لكن العبرة بالأدلة لا بكثرة الناس ، يقول الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، ويقول سبحانه {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[الشورى:10] ، فالأدلة الشرعية قائمة على أن تركها كفر أكبر ، ولو كان ذلك تهاوناً من غير جحد للوجوب”[17]

وَمِنْهَا : الاستهزاء بالدين ، أو بالقرآن ، أو بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، ويدخل في ذلك إطلاق اللسان بالنكت ، والفاكهات في أي شيء يتعلق بما ذكر ،

 قَالَ تَعَالَى : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}[التوبة: 64-66] ،

وَقَالَ تَعَالَى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا  أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا}[الكهف: 103-106] ،

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ : “ولما استهزأ بعضهم فقالوا عمن رضي الله عنهم وأرضاهم «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء» ، أنزل الله : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}[التوبة: 64-66] ، فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات اللّه كفر ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام”[18].

وَقَالَ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ عَبْدُ الْعَزِيْزِ بْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ : “الاستهزاء والسخرية بأمور الدين من صفات الكفرة الأغبياء الضالين ؛ فإنهم لعدم عقلهم وعدم فهمهم آيات الله ، وعدم عقلهم مقاصد الشرع يهزؤون بالصلاة ويهزؤون بالمسلمين ، وبعضهم قد يفعل ذلك عنادًا ، ومكابرة ، وتضليلاً للناس ؛ فلا ينبغي لذوي الإيمان أن يوادوا هؤلاء ، أو يتخذوهم أولياء ، وهم أعداء دينهم ، وأعداء شرعهم ، ومنفرون عن دينهم ، وعن نبيهم ، وعما جاء به عليه الصلاة والسلام”[19]، 

وَمِنْهَا : الشك والريبة في مسلَّمات الإسلام ، وشرائعه العظام ؛ كمن يشك في وجود الله ، أو يشك في أنبيائه ورسله ، أو في القرآن ، أو الجنة ، أو في النار ؛ كأن يقول : لا أدري هل بعث أحد من الرسل أو لا ؟ أو يقول : لا أدري هل هناك يوم آخر أو لا ؟ أو يشك في حرمة الزنا ، وشرب الخمر -مثلاً- .

قَالَ تَعَالَى : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}[الكهف:35-37] ،

 وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : “فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ”[20]،

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ ، … ، يُقَالُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى ، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا ، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثًا ، فَيُقَالُ : نَمْ صَالِحًا ، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ”[21]،

وَقَالَ اِبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ  تَعَالَى : “وأما كفر الشك ؛ فإنه لا يجزم بصدقه -أي : النبي صلى الله عليه وسلم- ولا يكذبه ، بل يشك في أمره ، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم جملة ، فلا يسمعها ، ولا يلتفت إليها ، وأما مع التفاته إليها ، ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك، لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها ، فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار”[22].

وَقَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ رَحِمَهُ اللهُ : “وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر ، والشك هو التردد بين شيئين ، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا  كذبه ، ولا يجزم بوقوع البعث ، ولا عدم وقوعه ، ونحو ذلك ؛ كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ، ولا عدم وجوبها ، أو لا يعتقد تحريم الزنا ، ولا عدم تحريمه ، وهذا كفر بإجماع العلماء”[23].

نُكْمِلُ فِيْ الْحَلْقَةِ التَّالِيَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ

       



([1]) رواه البخاري (4497) .

([2]) رواه مسلم (280) .

([3]) رواه البخاري (4477) ، ومسلم (170) .

([4]) مجموع الفتاوى (1/88) .

([5]) إعلام الموقعين (1/85) .

([6]) مجموع الفتاوى (12/284-285) .

([7]) مجموع الفتاوى (12/280) .

([8]) لكن يجب أن تقام عليه الحجة قبل تكفيره ؛ لأنه قد تخفى بعض تفاصيل الحكم بما أنزل الله على بعض الناس .

([9]) مجموع الفتاوى (1/271) .

([10]) مجموع الفتاوى (4/416) .

([11]) مفتاح دار السعادة (1/43) .

([12]) مدارج السالكين (1/347) .

([13]) مسائل حرب (3/1015) .

([14]) مجموع الفتاوى (7/611) .

([15]) رواه مسلم (159) .

([16]) رواه الترمذي (2621) ، والنسائي (463) ، وابن ماجه (1079)]

([17]) فتاوى نور على الدرب (6/60) .

([18]) الإيمان (2/284) .

([19]) الموقع الرسمي لسماحة الشيخ .

([20]) رواه مسلم (56) .

([21]) رواه البخاري (86) ، ومسلم (2058) .

([22]) مدارج السالكين (1/347) .

([23]) الضياء الشارق ، ص : (374) .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: