القائمة إغلاق

عِبَرٌ وَتَأَمُّلَاتٌ … فِيْ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَاتِ ، وَالْفِتَنِ النَّازِلَاتِ الَّتِيْ تُمْتَحَنُ بِهَا أُمَّةُ الْإِسْلَامِ فِيْ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ .

تَعْلِيْقٌ عَلَى أَحْدَاثٍ مُؤْلِمَةٍ ، وَأُخْرَى مُفْرِحَةٍ ، فِيْهَا وَبِهَا : نُبْشِّرُ ، وَنُحَذِّرُ ، وَنُثَبِّتُ ، وَنُصَبِّرُ …

الحلقة (66)

نسخة رقمية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ ، مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَمِيْنِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِيْنَ … أَمَّا بَعْدُ :

“الْإِخْلَاصُ” .

مَقَامٌ رَفِيْعٌ شَرِيْفٌ ، لَا يَنَالُ حَقِيْقَتَهُ ، وَلَا يُدْرَكُ شَأَوْهُ إِلَّا عِبَادُ اللهِ الْأَتْقِيَاءُ ، الْأَنْقِيَاءُ ، الْأَخْفِيَاءُ ، “الَّذِيْنَ تَرَكُوْا الدُّنْيَا ، وَخَافُوْا الْفِتَنَ”[1]،

وَهُوَ : “إِفْرَادُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ فِيْ الطَّاعَةِ”[2]، لَا يَشْرَكُهُ مَعَهُ فِيْهَا رِيَاءٌ ، أَوْ عَمَلٌ لِدَارِ الْفَنَاءِ ؛

وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يَعْتَنُوْنَ بِالنِّيَّةِ عِنَايَةً بَالِغَةً ، بَلْ كَانَ هُوَ شُغْلُهُمْ الشَّاغِلُ الَّذِيْ أَغَضَّ مَضَاجِعَهُمْ ، وَأَسْهَرَ لَيْلَهُمْ ، وَحَرَمَهُمْ التَّمَتُّعَ بِالدُّنْيَا ، وَزَهْرَتِهَا ؛ كَمَا يَتَمَتَّعُ بِهَا سَائِرُ النَّاسِ ، فقد كَانُوْا يَتَعَلَّمُوْنَ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ بِصَلَاحِهَا يَصْلُحُ الْعَمَلُ .

يَقُوْلُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ : “مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِيْ”[3]،

وَيَقُوْلُ يُوْسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ رَحِمَهُ اللهُ : “تَخْلِيْصُ النِّيَّةِ مِنْ فَسَادِهَا أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِيْنَ مِنْ طُوْلِ الْاِجْتِهَادِ”[4].

 وَيَقُوْلُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ : “وَلَيْسَ عَلَى النَّفْسِ شَيْءٌ أَشَقُّ مِنَ الْإِخْلَاصِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا فِيْهِ نَصِيْبٌ”[5].

وَكَانُوْا -رَحِمَهُمُ اللهُ- يَخَافُوْنَ مِنَ الرِّيَاءِ أَشَدَّ الْخَوْفِ ، وَيَحْذَرُوْنَ مِنْهُ أَشَدَّ الْحَذَرِ ؛ وَتُرْتَعَدُ فَرَائِصُهُمْ إِذَا سَمِعُوْا :

قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ تَعَالَى : {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}[الفرقان:23] ،

وَقَوْلَ الرَّسُوْلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ- : “أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ ، وَشِرْكَهُ”[6].

وَيَقُوْلُ اِبْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ رَحِمَهُ اللهُ : “أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ”[7]،

وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ وَجَدَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ :

يَقُوْلُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ : “لَأَنْ أَبِيْتُ نَائِمًا ، وَأُصْبِحُ نَادِمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيْتُ قَائِمًا ، وَأُصْبِحُ مُعْجَبًا”[8].

وَيَقُوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللهُ : “لَقَدْ أَدْرَكْتُ رِجَالًا كَانَ الرَّجُلُ يَكُوْنُ رَأْسُهُ مَعَ رَأْسِ اِمْرَأَتِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَدْ بَلَّ مَا تَحْتَ خَدْهِ مِنْ دُمُوْعِهِ ، لَا تَشْعُرُ بِهِ اِمْرَأَتُهُ ، وَلَقْدْ أَدْرَكْتُ رِجَالًا يَقُوْمُ أَحَدُهُمْ فِيْ الصَّفِّ فَتَسِيْلُ دُمُوْعُهُ عَلَى خَدِّهِ ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ الَّذِيْ إِلَى جَنْبِهِ[9]،

وَيَقُوْلُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ -فِيْ مَقَامِ التَّعْلِيْمِ– : “وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ تَعَلَّمُوْا هَذَا الْعِلْمَ ، عَلَى أَلَّا يُنْسَبَ إِلَيَّ حَرْفٌ مِنْهُ”[10]،

 وَيَقُوْلُ -أَيْضًا- رَحِمَهُ اللهُ -فِيْ مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ- : “مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقُ ، وَيُسَدَّدُ ، وَيُعَانُ ، وَيَكُوْنُ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَحِفْظٍ”[11].

وَيَجِبُ أَلَّا يُنْسَى -هُنَا- مَقَامَ الْمُتَابَعَةِ ، فَهُمَا “أَصْلَانِ عَظِيمَانِ ؛

أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ ،

وَالثَّانِي : أَنْ لَا نَعْبُدَهُ إلَّا بِمَا شَرَعَ ؛ لَا نَعْبُدُهُ بِعِبَادَةِ مُبْتَدَعَةٍ ،

وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ هُمَا تَحْقِيقُ «شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ؛  كَمَا قَالَ تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك:2] ، قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ : «أَخْلَصُهُ ، وَأَصْوَبُهُ» ، قَالُوْا : يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ ، وَأَصْوَبُهُ ؟ قَالَ : «إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا ، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ ، وَذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْله تَعَالَى : {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}”[12].  

نَسْأَلُ اللهَ الْإِخْلَاصَ فِيْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، وَصِدْقِ الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ الْأَكْرَمِ ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ .  



([1]) شطر بيت من قصيدة للإمام الشافعي .

([2]) مدارج السالكين (2/91) .

([3]) جامع العلوم والحكم (1/70) .

([4]) جامع العلوم والحكم (1/70) .

([5]) جامع العلوم والحكم (1/84) .

([6]) رواه مسلم (7584) .

([7]) صحيح البخاري في : (بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) ، من كتاب : (الإيمان) .

([8]) سير أعلام النبلاء (4/190) .

([9]) حلية الأولياء (2/347) .

([10]) حلية الأولياء (9/118) .

([11]) حلية الأولياء (9/118) .

([12]) مجموع الفتاوى (1/334) .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: