عِبَرٌ وَتَأَمُّلَاتٌ … فِيْ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَاتِ ، وَالْفِتَنِ النَّازِلَاتِ الَّتِيْ تُمْتَحَنُ بِهَا أُمَّةُ الْإِسْلَامِ فِيْ كُلِّ زَمَانٍ ، وَمَكَانٍ .
تَعْلِيْقٌ عَلَى أَحْدَاثٍ مُؤْلِمَةٍ ، وَأُخْرَى مُفْرِحَةٍ ، فِيْهَا ، وَبِهَا : نُبْشِّرُ ، وَنُحَذِّرُ ، وَنُثَبِّتُ ، وَنُصَبِّرُ …
الحلقة (96) / [الجزء الرابع] .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ، وَالصَّلَاةُ ، وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْمُرْسَلِيْنَ ، مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَمِيْنِ ، وَعَلَى آلِهِ ، وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِيْنَ … أَمَّا بَعْدُ :
اِعْرِفْ عَدُوَّكَ ، وَعَدَاوَتَهُ ؛ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِيْنَ !!!
(4)
وَمِنْ الْعَدَاوَاتِ النَّاخِرَةِ فِيْ جَسَدِ الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ عَدَاوَةُ الْمُرْجِئَةِ الْمُعَاصِرَةِ ، مَعَ تَحَالُفَاتِهَا الْـمُخْتَلِفَةِ -مِنْ لِيْبْرَالِيَّةٍ مَارِقَةٍ ، وَصُوْفِيَّةٍ تَائِهَةٍ ، وَأَشْعَرِيَّةٍ (أَوْ مَاتُرِيْدِيَّةٍ) مُبْتَدِعَةٍ- فَلَقَدْ اِجْتَمَعُوْا ، وَصَارُوْا صَفًّا وَاحِدًا ضِدَّ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالتَّوْحِيْدِ ، اِتَّفَقُوْا سَوِيًّا عَلَى إِلْغَاءِ الْعَمَلِ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ رُكْنًا رَكِيْنًا فِيْ مُسَمَّى الْإِيْمَانِ ، أَوِ التَّقْلِيْلِ ، وَالتَّهْوِيْنِ مِنْ شَأْنِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَـ :
مِنْ أَقْوَالِهِمُ الْمُشْتَهِرَةِ فِيْ ذَلِكَ :
قَوْلُهُمْ : إِنَّ جَاهِلَ التَّوْحِيْدِ -مِنَ الْمُنْتَسِبِيْنَ إِلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ- الْوَاقِعِ فِيْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ يُسَمَّى مُسْلِمًا ، وَلَوْ عَبَدَ الْحَجَرَ ، وَالشَّجَرَ ،
وَقَوْلُهُمْ -أَيْضًا-: إِنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَكُوْنُ مُؤْمِنًا نَاجِيًا ، وَلَوْ لَمْ يَرْكَعْ لِلَّهِ رَكْعَةً ،
وَقَوْلُهُمْ – أَيْضًا -: إِنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ كَمَالٌ فِيْ الْإِيْمَانِ ، لَا يَضِيْرُ تَرْكُهُ ، وَلَوْ كُلَّهُ ،
وَقَوْلُهُمْ – أَيْضًا -: إِنَّ الْـمَعَاصِي ، وَالْـمُنْكَرَاتِ لَا يَضُرُّ أَصْحَابَهَا اِرْتِكَابُهَا ، مَا دَامَ أَنَّهُمْ مُقِرُّوْنَ بِالتَّوْحِيْدِ ، فِيْ بَلَدِ التَّوْحِيْدِ ،
وَأَكْبَرُ شَاهِدٍ عَلَى مَا أَقُوْلُ -هُنَا- وَاقِعُ أُمَّتِنَا الْآنِي ؛ فَـ :
لَمَّا حَلَّتْ بِهَا مُنْكَرَاتُ الطَّائِفَةِ اللِّيْبْرَالِيَّةِ الْمَارِقَةِ ؛ مِنْ تَفَسُّخٍ فِيْ الْأَخْلَاقِ ، وَوَلَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَعَ الْأَعْدَاءِ خَنَسَتْ أَلْسِنَةُ كَثِيْرٍ مِنْ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ ، جَبُنُوْا مِنْ أَنْ يَقُوْمُوْا ِبِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ؛ مِنْ إِنْكَارٍ ، وَتَوْضِيْحٍ ، وَبَيَانٍ ، وَهَذَا مِنْهُمْ -وَايْمُ اللهِ- ثَمَرَةُ مَا اعْتَقَدُوْهُ مِنْ عَقِيْدَةٍ بَاطِلَةِ ، وَظُنُوْنٍ -فِيْ هَذَا الْبَابِ- زَائِفَةٍ ، وَمِنْ هَذِهِ الظُّنُوْنِ الْبَاطِلَةِ ظَنُّهُمْ أَنَّ إِنْكَارَ الْمَعَاصِي ، وَالْـمُنْكَرَاتِ فِيْ أَزْمِنَتِنَا -الْمُتَأَخِّرَةِ هَذِهِ- يُسَبِّبُ الْفِتْنَةَ !! {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}[التوبة:49] ، … ، وَ :
إِنِّي أَقُوْلُ لِهَؤُلَاءِ :
صَلَاحُ الْمَرْءِ لَيْسَ فِيْ تَركْهِ الشَّرَائِعَ ، وَالْأَوَامِرَ ، أَوِ التَّهْوِيْنِ مِنْهَا ، وَالتَّقْلِيْلِ مِنْ شَأْنِهَا ؛ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوْعِ فِيْ الْفِتْنَةِ ؛ كَمَا تَزْعُمُوْنَ ، بَلِ “الصَّلَاحُ فِيْ أَنْ يَأْمُرَ ، وَيَصْبِرَ ، وَفِيْ الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : »بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ ، وَالطَّاعَةِ ، فِي يُسْرِنَا ، وَعُسْرِنَا ، وَمَنْشَطِنَا ، وَمَكْرَهِنَا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَأَنْ نَقُومَ ، أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ«[1]،
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِتَالِ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ ، وَأَمَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِمْ ، وَنَهَى عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ ، فَـ:
أَهْلُ الْبِدَعِ ؛ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَالشِّيْعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ قِتَالَهُمْ ، وَالْخُرُوْجَ عَلَيْهِمْ إِذَاَ فَعَلُوْا مَا هُوَ ظُلْمٌ ، أَوْ مَا ظَنَّوْهُ هُمْ ظُلْمًا ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوْفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ،
وَآخَرُوْنَ ؛ مِنَ الْمُرْجِئَةِ ، وَأَهْلِ الْفُجُوْرِ قَدْ يَرَوْنَ تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوْفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ ظَنًّا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْفِتْنَةِ ، وَهَؤُلَاءِ يُقَابِلُوْنَ أَوْلَئِكَ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُوْ مَنْصُوْرٍ الْمَاتُرِيْدِيُّ- الْمُصَنِّفُ فِيْ الْكَلَامِ ، وَأُصُوْلِ الدِّيْنِ ؛ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِيْنَ وَرَاءَ النَّهْرِ- مَا قَابَلَ بِهِ الْمُعْتَزِلَةَ فِيْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوْفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ فَذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ سَقَطَ فِيْ هَذَا الزَّمَانِ”[2].
فَيَا أَهْلَ الْعِلْمِ -بَعْدَ أَنْ نَجَّاكُمُ اللهُ مِنْ فِتْنَةِ الْخَوَارِجِ- :
اِحْذَرُوْا ، ثُمَّ احْذَرُوْا مِنْ أَنْ تَلْفَحَكُمْ لَفْحَةٌ مِنْ لَفْحَاتِ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ ؛ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ !! فَلَقَدْ رَأَيْنَا بَوَادِرَهَا -وَيَا لَلْأَسَفِ- عِنْدَ بَعْضِ مَنْ كُنَّا نَحْسَبُهُمْ عَلَى خَيْرٍ ،
وَالنَّجَاءَ ، النَّجَاءَ !! أَنْقِذُوْا أَنْفُسَكُمْ ، قُوْمُوْا بِمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ -مَمَّا يُبَرِّئُ ذِمَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ، وَعِنْدَ النَّاسِ- مِنْ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوْفٍ بِمَعْرُوْفٍ ، وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ بِلَا مُنْكَرٍ ، وَ”اتَّقُوا اللهَ ، وَاصْبِرُوا ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ، أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ”[3]،
حَفِظَكُمُ اللهُ ، وَسَدَّدَكُمْ ، وَعَلَى السَّبِيْلِ ، وَالسُّنَّةِ أَمَاتَكُمْ .
وَصَلِّ اللَّهُمَّ ، وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ ، وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ .