القائمة إغلاق

تَحْذِيْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالْإِيْمَانِ مِنْ مَكْرِ ، وَخِدَاعِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ ، وَالنِّفَاقِ .

رَدٌّ عِلْمِيٌّ عَلَى كِتَابٍ يَحْتَفِي بِهِ الْمُبْتَدِعَةُ عِنْدَنَا -فِيْ هَذِهِ الْأَيَّامِ- يُرَوِّجُوْنَ لَهُ ؛ لِيُخَادِعُوْا بِهِ الْأَغْمَارَ ، وَأَتْبَاعَهُمْ مِنَ الْجَهَلَةِ الرَّعَاعِ .

[الجزء الثالث] 

نسخة رقمية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ ، وَالصَّلَاةُ ، وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْمُرْسَلِيْنَ … أَمَّا بَعْدُ :

(مُقَدِّمَةٌ)

في هذه الحلقة -وهي الثالثة- في الرد على كتاب ابن قديش اليافعي اليمني : “مَسَائِلُ فِيْ الْمَنْهَجِيَّةِ الْعَامَّةِ ؛ فِيْ الْعَقِيْدَةِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالسُّلُوْكِ ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ ، وَالْمَاتُرِيْدِيَّةَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ …” ، فنقول ، وبالله التوفيق ،

(2)

الْبَيَانُ بِأَنَّ عَقِيْدَةَ الْأَشَاعِرَةِ ، وَالْمَاتُرِيْدِيَّةِ لَيْسَتَا مِنَ الْإِسْلَامِ فِيْ شَيْءٍ ، بَلْ هُمَا اِمْتِدَادٌ لِمَنْهَجِ الْفَلَاسِفَةِ ، وَالْمَنَاطِقَة ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ،

– وسنسرد في هذه الفقرة عظم الـمجازفات ، والـمخالفات التي وقعت فيها هاتان الطائفتان ؛ لنرى ، ونعلم بعد ذلك -بما لا يدع مجالاً لشاك ، ولا مدع- أن من يلحقهما بأهل السنة أنه قد جانب الصواب ، وأضاع الرشاد .

وما سيقال -هنا- عن الأشعرية فهو منطبق على الماتريدية ؛ إلا في مسائل معدودة معروفة[1]، فـَ:

فِيْ التَّوْحِيْدِ : الأشاعرة يفسرون كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية ، فيقولون : معنى لا إله إلا الله : لا خالق إلا الله[2]، وعندهم أن أول واجب على المكلف ليس هو قول : “لا إله إلا الله” ، بل هو النظر ، أو : القصد إلى النظر الموصل إلى المعرفة[3]، ولذلك وجد من بعضهم تكفير العامي المقلد[4].

وَفِيْ الْأَسْمَاءِ ، وَالصِّفَاتِ : الأشعرية يثبتون الأسماء ، ولهم في الصفات مذهبان :

الْأَوَّلُ : مذهب قدماء الأشاعرة الذين وافقوا المنهج الكلَّابي في إثبات الصفات الذاتية ، ونفي الأفعال الاختيارية ، ولم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته ، وقدرته .

وَالثَّانِي : منهج المتأخرين منهم ؛ الذين أولوا جميع الصفات ما عدا الصفات السبع ؛ المعروفة عندهم ، وهي : العلم ، الحياة ، القدرة ، الإرادة ، السمع ، البصر ، الكلام ، مع إن إثباتهم لها ليس كإثبات أهل السنة ، فـ :

صِفَّةُ الْعِلْمِ : يثبتون لله صفة العلم الأزلي القديم ، وينفون عنه العلم اللاحق الذي يكون بعد وقوع الحوادث ، وبعد حدوث أفعال المكلَّفين[5].

 وصِفَّةُ الْحَيَاةِ : يثبتون له حياة وجودية قديمة ، زائدة على الذات[6].

وصِفَّةُ الْقُدْرَةِ : يثبتون له قدرة قديمة ، متعلقة بالممكنات فقط[7] .

وصِفَّةُ الْإِرَادَةِ : يثبتون له إرادة قديمة ، لا تعدد فيها ، وأن الإرادة بمعنى المحبة ، والرضا ، ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية ، والإرادة الشرعية[8].

وصِفَّةُ الْكَلَامِ : كلام الله عند الأشاعرة : معنى قائم بالنفس ، ليس بحرف ، ولا صوت ، جبريل عليه السلام هو صاحب اللفظ ؛ والمعنى من عند الله[9]،

وصِفَّةُ السَّمْعِ ، وَالبَّصَرِ : يفسرون السمع ، والبصر بالإدراك ، وبعضهم يرجعها إلى صفة العلم الأزلي له جل وعلا [10]،

وصِفَّةُ عُلُوِّ اللهِ : يؤولونها بعلو القهر ، والقدر ، أما علو الذات فإنهم ينفونه عنه ، ويقولون : إن الله موجود بلا مكان ، أو لا داخل العالم ، ولا خارجه[11].

وَرُؤْيَةُ اللهِ فِيْ الْآخِرَةِ : الأشاعرة يثبتون رؤية الله في الآخرة ، لكنهم يقولون : الرؤية ليست إلى جهة ؛ لأنهم ينفون صفة علو الذات[12].

وبعض منهم يفوض جميع الصفات بلا استثناء .

وجميع الصفات يثبتونها لا على طريقة أهل السنة ، بل يثبتونها بالعقل ، قبل النقل .

وَفِيْ الْإِيْمَانِ : الأشعرية مرجئة في باب الإيمان ، يقولون : الإيمان هو التصديق بالجنان ، وأما القول باللسان ، والعمل بالأركان ؛ ففروعه ، فمن صدق بالقلب ، أي أقر بوحدانية الله تعالى ، واعترف بالرسل تصديقًا لهم فيما جاؤوا به من عند الله صح إيمانه ، ولو مات عليه في الحال كان مؤمنًا ناجيًا ، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك الإيمان[13]، وعندهم الإيمان لا يزيد ، ولا ينقص ، ومرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ، ويجيزون الاستثناء في الإيمان[14].  

وَفِيْ الْقَدَرِ : الأشاعرة جبرية في باب القدر -بالجبر المتوسط غير المحض- ؛ اخترعوا نظرية الكسب في أفعال العباد ، فقالوا في تعريفها ، هي : مقارنة فعل العبد للفعل من غير تأثير[15]؛ لأن المؤثر الحقيقي هو الله[16].

إِذًا ، الْأَشَاعِرَةُ ، وَالْمَاتُرِيْدِيَّةُ :

1] وافقوا الجهمية في الإيمان ، وتعطيل الله تعالى عن صفاته التي تليق به .  

2] ووافقوا الفلاسفة ، والـمعتزلة فـي تحريف نصوص الصفات ، وتأويلها ؛ كصفة الاستواء ، والعلو ، والصفات التي لها علاقة بالمشيئة ، ونحو ذلك .

3] وتأثَّروا بالجبرية في مسألة القَدَر .

ولذا تظافرت أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ فِيْ التَّحْذِيْرِ مِنْ خَطَرِ الْأَشَاعِرَةِ ؛ قُدَمَائِهِمْ الْمُشَابِهِيْنَ لِلْكُلَّابِيَّةِ ، وَالْمُتَأَخِّرِيْنَ مِنْهُمْ[17]، 

يَقُوْلُ الْإِمَامُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ (ت:311ه) : -لما قال له أبو علي الثقفي : ما الذي أنكرت من مذاهبنا حتى نرجع عنه ؟- قال : “ميلكم إلى مذهب الكلابية ، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب ، وعلى أصحابه ؛ مثل الحارث ، وغيره”[18]

وَيَقُوْلُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خُوْيْزِ مِنْدَادِ رَحِمَهُ اللهُ (ت:390ه) -فقد روى عنه ابن عبد البر رحمه الله أنه قال في كتاب الشهادات ، في تأويل قول مالك : «لا تجوز شهادة أهل البدع ، والأهواء»- قال : “أهل الأهواء عند مالك ، وسائر أصحابنا هم أهل الكلام ، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء ، والبدع ؛ أشعرياً كان ، أو غير أشعري ، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً ، ويهجر ، ويؤدب على بدعته ؛ فإن تمادى عليها استتيب منها”[19].

وَيَقُوْلُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ت:395 ه) : “ليتق الله امرؤ ، وليعتبر بمن تقدم ؛ ممن كان القول باللفظ مذهبه ، ومقالته ، وكيف خرج من الدنيا مهجورًا ، مذمومًا ، مطرودًا من المجالس ، والبلدان ؛ لإعتقاده القبيح ، وقوله الشنيع ، المخالف لدين الله ؛ مثل : الكرابيسى ، والشواط ، وابن كُلَّاب ، وابن الأشعرى ، وأمثالهم ؛ ممن كان الجدال ، والكلام طريقه فى دين الله عز وجل”[20]،

وَيَقُوْلُ أَبُوْ نَصْرٍ السِّجْزِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ت:444ه) : “فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله ، فإن أتى بذلك علم صدقه ، وقبل قوله ، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف ، عُلم أنه محدث زائغ ، وأنه لا يستحق أن يصغا إليه ، أو يناظر في قوله ، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر ، ونفورهم عنهم بين ، وكتبهم عارية عن إسناد ، بل يقولون : قال الأشعري ، وقال ابن كلاب ، وقال القلانسي ، وقال الجبائي ، … ، ومعلوم أن القائـل بـما ثبـت مــن طــريق النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمى محدثاً ، بل يسمى سنياً متبعاً ، وأن من قال في نفسه قولاً ، وزعم أنه مقتضى عقله ، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه ، لكونه من أخبار الآحاد ، وهي لا توجب علماً ، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثاً مبتدعاً ، مخالفاً ….[21].

وَيَقُوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرْخِيُّ (ت:532ه) : “وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني الشافعي (ت:406ه)- شديد الإنكار على الباقلاني ، وأصحاب الكلام ، قال : ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ، ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبـه عليه ، وينهـون أصحـابهم ، وأحبابهم عن الحوم حواليه ، على ما سمعت عدة من المشايخ ، والأئمة ؛ منهم : الحافظ المؤتمن بن أحمد بن على الساجي ، يقولون : سمعنا جماعة من المشايخ الثقات ، قالوا : كان الشيخ أبو حامد ؛ أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني ؛ إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا ، وأصحابًا ، إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي ، المحاذي للجامع ، ويقبل على من حضر ، ويقول اشهدوا علي : بأن القرآن كلام الله ، غير مخلوق ؛ كما قاله الإمام ابن حنبل ، لا كما يقوله الباقلاني ، وتكرر ذلك منه جمعات ، فقيل له في ذلك فقال : حتى ينتشر في الناس ، وفي أهل الصلاح ، ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه -يعني : الأشعرية- وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني ، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ، ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه ، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة ، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبل ، وأنا ما قلته،  وأنا بريء من مذهب البلاقلاني ، وعقيدته”[22].

وَيَقُوْلُ اِبْنُ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ (ت:536ه) : “وظهرت المعتزلة في زمن المأمون ، وجرى منهم ما جرى ، فكان آخر البدع ظهورًا مذهب الأشعري ، وتولى نصرته الظلمة ، وأرباب الدنيا ، وأصحاب المظالم ؛ القائمين بما يخالف الشَّرع من النجَّامة ، والفلسفة ، والإدمان على المظالم ، والفسق ، لتعلم أن هذه البدعة شرُّ البدع بظهورها آخر الزمان ، وانتشارها في فاسد البلدان ، وركوب دعاتها التمويه ، والمحال ، والكلام المزخرف ، وفي باطنه الكفر ، والضلال ، فزمان هذه البدعة أخبث الأزمنة ، وأتباعها أخبث الأمة ، ودعاتها أقل أديان هذه الملة”[23].

وَيَقُوْلُ الْوَزِيْرُ اِبْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللهُ (ت:560 ه) : “والله ما نترك أمير المومنين علي بن أبى طالب مع الرافضة ، نحن أحق به منهم ؛ لأنه منَّا ، ونحن منه ، ولا نترك الشافعي مع الأشعرية ، فإنًّا أحق به منهم”[24]،

وَيَقُوْلُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ : “عمدة النفاة على أنه لو ثبتت هذه الصفات : من العلو ، والمباينة ، ونحو ذلك للزم أن يكون جسماً ، وكون الواجب القديم جسماً ممتنع ، وهذه المقدمة هي نظرية باتفاقهم ، وكل طائفة منهم تطعن في طريق الآخرين ، والعمدة فيها طريقان : طريق الجهمية ، والمعتزلة ، وطريق الفلاسفة ، ومن وافق على هذه المقدمة من الفقهاء ، وأهل الكلام ؛ من الأشعرية ، وغيرهم ، فهو تبع فيها ؛ إما للمعتزلة ، والجهمية ، وإما للفلاسفة”[25]،

وَيَقُوْلُ -أَيْضًا- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : “لما كان الشيطان قد يشبه بالملك -فنفى أن يكون قول شيطان رجيم- علم أن الرسول المذكور هو الـمصطفى من الـملائكة ، وفي إضافته إلى هذا الرسول تارة -كمـا في قوله : {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[الحاقة:40] -وإلـى هـذا تارة-كـما فـي قوله : {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الحاقة:43]- دليل على أنه إضافة بلاغ ، وأداء لا إضافة إحداث لشيء منه ، أو إنشاء ؛ كما يقوله بعض المبتدعة الأشعرية ، من أن حروفه ابتداء جبرائيل ، أو محمد ؛ مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال : إنـه قـول البـشر ، من مشركي العرب ، ممن يزعم أنه أنشأه بفضله ، وقوة نفسه ، ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعاني ، والحروف تأليفه ؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء”[26].

وَيَقُوْلُ -أَيْضًا- رَحِمَهُ اللهُ : “الجهمية على ثلاث درجات ؛ فشرُّها : الغالية الذين ينفون أسماء الله ، وصفاته ، وإن سموه بشيءٍ من أسـمائه الحسنى قالوا : هو مجاز ، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحيٍّ ، ولا عالمٍ ، ولا قادرٍ ، ولا سميعٍ ، ولا بصيرٍ ، ولا متكلمٍ ، ولا يتكلم … ،

والدرجة الثانية : من التجهم هو تجهم المعتزلة ، ونحوهم ، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة ، لكن ينفون صفاته ، وهم -أيضًا- لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة ، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز ، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون .

وأمَّا الدرجة الثالثة : فهم الصفاتية ؛ المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم ، كالذين يقرون بأسماء الله ، وصفاته في الجملة ، لكن يردون طائفة من أسمائه ، وصفاته الخبرية ، أو غير الخبرية ، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها ، … ، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة لكن مع نفي ، وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص ، وبالمعقول ، وذلك كأبي محمد بن كلاب ، ومن اتبعه ، وفي هذا القسم يدخل : أبو الحسن الأشعري ، وطوائف من أهل الفقه ، والكلام ، والحديث ، والتصوف”[27].

وَيَقُوْلُ -أَيْضًا- رَحِمَهُ اللهُ : ودخل في هذا القول -أي : تأويل المحبة- من انتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع فيه طوائف من أصحاب مالك ، والشافعي ، وأحمد ؛ كالقاضي أبي بكر ، والقاضي أبي يعلى ، وأبي المعالي الجويني ، وأمثال هؤلاء ، وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم ، والاعتزال”[28]،

-أما العلماء الذين نقل عنهم مؤلف الكتاب([29])أنهم يعدون الأشاعرة من ضمن أهل السنة فلا اعتبار لها ، للأسباب التالية ،

1] لا عبرة بها ؛ لأنها خالفت الحق في هذه المسألة ؛ وقـد قدمنا الأدلة ، والنقول الكثيرة عن العلماء الـمتقدمين ، والـمتأخرين في ذم ما كان عليه الأشاعرة ؛ قدماؤهم ، والمتأخرون ، مع ذكر الأسباب في ذلك[30] ،

2] أدرج المؤلف مقولات لا يتضح من سياقات أصحابها أنهم يعدون الأشاعرة من أهل السنة[31]، أما الصريح منها ؛ كقول السفاريني رحمه الله[32]فقد وجد من العلماء من رد عليه ، وخطأه فيما ذهب إليه ،

يَقُوْلُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -في رده على السفاريني لما أدخل الأشاعرة ، والماتريدية في عداد أهل السنة- قال : “هذا مصانعة من الـمصنف رحمه الله تعالى في إدخاله الأشعرية ، والماتريدية في أهل السنة ، والجماعة ، فكيف يكون من أهل السنة ، والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سـماواته ، واستواءه على عرشه ، ويقول : حروف القرآن مخلوقة ، وإن الله لا يتكلم بـحرف ، ولا صوت ، ولا يثبت رؤية الـمؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم …”[33]،

وَيَقُوْلُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبَا بِطِيْنٍ رَحِمَهُ اللهُفي رده على من قال إن الأشاعرة ، والماتردية من الفرقة الناجية- : “تقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر ، فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة ، وهي الفرقة الناجية التي بينها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل عنها بقوله : «هِيَ : الْجَمَاعَةُ»[34])، وفي رواية : «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ ، وَأَصْحَابِي»[35]، أو : «مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ ، وَأَصْحَابِي»[36]، وبهذا عرف أنهم المجتمعون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأصحابه ، ولا يكونون سوى فرقة واحدة”[37]،

 3] وبعض العلماء عدهم من أهل السنة مقارنة بالرافضة ؛ “فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة ، وقد يراد به أهل الحديث ، والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ، ويقول إن القرآن غير مخلوق ، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر ، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث ، والسنة”[38]،

4] وبعض من عدهم أنهم من أهل السنة هم من أهل الابتداع ؛ فلا عبرة -أصلاً- بقولهم ؛ كقول : تاج الدين ابن السبكي[39]، وغيره .

5] وبعض العلماء يذكرهم مع أهل السنة بالمقارنات[40]، وذكر أوجه الاختلاف ، والاتفاق بينهم وبين أهل السنة ؛ فيعدهم الكاتب بهذه المقارنات أنهم من أهل السنة ، وهذا خطأ جلي ، ولا ريب .

6] وبعض العلماء يذكر جهودهم في الرد على المعتزلة ، والقدرية ، والرافضة ، وأنهم بما فعلوه قد نصروا السنة ، فيعدهم المؤلف بهذا -مع مخالفاتهم العميقة في العقيدة- أنهم من أهل السنة[41].

وَفِيْ الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- سَنَتَكَلَّمُ عَنْ مَسْأَلَةِ التَّفْوِيْضِ ؛ الَّتِي هِيَ إِحْدَى طُرُقِ الْأَشَاعِرَةِ فِيْ تَعْطِيْلِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى عَنِ اللَّائِقِ بِهَا .

 

 

 



([1]) راجع كتاب : الماتريدية ؛ للحربي ؛ ص : (492-501) .

([2]) انظر مجموع الفتاوى (8 /101) ، بيان تلبيس الجهمية (1/468) .

([3]) انظر الإنصاف للباقلاني ص : (21) ، وأما أهل السنة معرفة الله فطرية لا تحتاج إلى نظر ، واستدلال ، والمولود يولد لا يعلم شيئًا إلا ما فطره الله عليه من معرفته ، ولذا صار أول واجب على المكلف عند أهل السنة والجماعة -مبنيٌ على معرفة الله الفطرية- هو : إفراد الله بالعبادة .

([4]) وقد تطرقنا إلى هذا في الفقرة السابقة ، وعقيدة أهل السنة والجماعة صحة إيمان المقلد- المتبع- ما دام موقناً ومعتقداً صحة ما آمن به ، متبعا ًالكتاب ، والسنة ، وإجماع أهل العلم قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن : “فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا الله تَعَالَى…» ، وجاء بلفظ : «فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ…”[رواه البخاري (7372) ومسلم (29)] ،.

([5]) انظر : أبكار الأفكار في أصول الدين ؛ للأمدي (1/322-324) .  

([6]) انظر : أبكار الأفكار في أصول الدين ؛ للأمدي (1/436) ، وانظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (17/161) في رده عليهم ، ومـمــا قـــال فـي ذلك : “ولهذا كان الصواب -على قول أهل السنة- أن لا يقال في الصفات : إنها زائدة على مسمى اسم الله ؛ بل من قال ذلك فقد غلط عليهم ، وإذا قيل : هل هي زائدة على الذات أم لا ؟ كان الجواب : إن الذات الموجودة في نفس الأمر مستلزمة للصفات ، فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات ؛ بل ولا يوجد شيء من الذوات مجردًا عن جميع الصفات” .

([7]) انظر : شرح العلامة الصاوي على جوهرة التوحيد ؛ ص : (169-171) ، وانظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (16/459) ، في رده عليهم ، ومما قال في ذلك : “ وهو يخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أمورا لم يفعلها كما قال : {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} ، فبين أنه لو شاء ذلك لكان قادرًا عليه ، لكنه لا يفعله ؛ لأنه لم يشأه إذ كان عدم مشيئته أرجح في الحكمة مع كونه قادرًا عليه لو شاءه”.

([8]) انظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/340-344)

([9]) انظر : فتاوى شيخ الإسلام (12/49) .

([10]) انظر : حاشية الدسوقي على أم البراهين ، ص : (85) ، وانظر : تحفة المريد على جوهرة التوحيد ؛ ص : (131) .

([11]) انظر : مشكل الحديث لابن فورك (ص: 159) .

([12]) انظر: غاية المرام للآمدي ؛ ص : (181) ، ومجموع الفتاوى ؛ لشيخ الإسلام (6/310) .

([13]) الملل والنحل للشهرستاني (1/93) ، وانظر الفتاوى لشيخ الإسلام (13/47) .

([14]) انظر : فتاوى لشيخ الإسلام (7/120-121)(7/754) .

([15]) انظر : غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص 207) .

([16]) انظر : منهاج السنة لشيخ الإسلام (3/13) . 

([17]) وقد ذكر الإمام جمال الدين ، يوسف ابن عبدالهادى الصالحي ، ابن الْمِبْرَدِ الحنبلي رحمه الله (ت:909 هـ) ، فى كتابه : “جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر” -في فصله الأخير- أكثر من أربعمائة عالم ورد عنهم ذم الأشاعرة ، والأمر بمجانبتهم .

([18]) سير أعلام النبلاء (14/380) .

([19]) جامع بيان العلم وفضله (2/96) .

(4) ذم الكلام (4/424) .

(1) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الصوت والحرف ، ص : (100-101) .

(2) درء التعارض (2/96) .

(1) الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة (2/452) .

([24]) ذيل طبقات الحنابلة (2/156) . 

([25]) درء تعارض العق والنقل (6/183) .

([26]) مجموع الفتاوى (2/50-51) .

([27]) الفتاوى الكبرى (6/371-372) .

([28]) مجموع الفتاوى (10/697) .

([29]) من ص : (27) ، إلى ص : (33) .

([30]) كالفتوى التي صدرت من بعض الدكاترة في الجامعة الإسلامية ، انظر : الكتاب ص : (32) .

([31]) كما في ص : (27-28) .

([32]) كما في ص : (29) .

([33]) حاشية كتاب : لوامع الأنوار البهية (1/73) .

([34]) رواه أبو داوود (4599) .

([35]) رواه أبو داوود (4596) .

([36]) أخرجه أبو داود (4596) ، والترمذي (2640) ، وابن ماجه (3993) .

([37]) حاشية كتاب : لوامع الأنوار البهية (1/73) .

([38]) منهاج السنة النبوية ؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/221) ، وانظر : بيان تلبيس الجهمية له رحمه الله (3/538) .

([39]) كما في ص : (28) ، (30) .

([40]) كما في ص : (28) ، من كلام ابن أبي العز الحنفي ، فإن ابن أبي العز رحمه الله له كلام شديد في الأشاعرة ، انظر شرح الطحاوية له ، ص : (149-150).

([41]) كما في ص : (30) من كلام الذهبي .

%d مدونون معجبون بهذه: